halimyoussef - Halim Youssef

«سوبارتو» لحليم يوسف: رواية البلاد التي تلتهم الحب

إبراهيم إبراهيم- الدنمارك

رواق الأدب 19.05.2026

يمتد عالم الروائي الكردي السوري حليم يوسف من النهر وقصصه إلى النهر وزكام زبده الممتد من ” سوبارتو ” ما قبل التاريخ إلى ” عامودا ” مابعده، حليم أوطان تسكنه مفردات وصور ومشاهد وموسيقى وأرواح وغيوم وأمطار ووطن واحد لسليمان وبلقيس . إنها بلاد تتجاور فيها الأسطورة والخراب، القرى والحرائق، الحب والخوف، والمدن التي ترتدي جنون الفوضى والشغب. نساؤه جميلات إلى حدّ لا تكفيهن قصائد المليون شاعر، ولا لوحات روما واشبيلية ولا حلب والشام. في قلب ذلك أو أبعد بقليل يقف حليم يوسف بوصفه ذلك الطفل الروائي البارع الذي تحدّى شراسة العشق والخوف، لتتعرى ” بلقيس ” أما الله ولهفة “سليمان ” سوبارتو .
” بلقيس “، ” سليمان ” بشر استثناء في مدينة الاستثناء كل منهما يتحرك داخل بلاد تتفق بكل أشيائها، تتساقط فيها أحلام الأطفال الذين غابوا مع رحيل الغيمة البيضاء ..!!
تحمل رواية “سوبارتو” حليم يوسف طاقة سردية كثيفة لا تكتفي بحكي الوقائع، بل تسعى إلى إعادة خلق العالم من الداخل؛ عالم القرية والمدينة، الخوف والجسد، الدين والفقر، السلطة والحب، كما تتشكل جميعها في وعي شخصيات مأهولة بالأسئلة والكوابيس والرغبات. ومنذ صفحاتها الأولى، لا تبدو الرواية مجرد سيرة طفولة أو حكاية حب، بل مشروع بناء كون روائي له قوانينه الخاصة، تتحول فيه التفاصيل اليومية الصغيرة إلى رموز اجتماعية ونفسية وسياسية عميقة.
في الباب الأول، تبدو القرية أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ إنها كائن حيّ يتنفس بالخرافة، ويضبط أفراده بالخوف الجماعي، وتتشابك داخله السلطة الأبوية مع الدين الشعبي والحزب والطبقة والجسد. لذلك لا تكمن قوة هذا الباب في الحدث كمركز ثقل بل في المناخ الذي يصنع الحدث، وفي الطريقة التي تُرى بها الأشياء من عين السارد. فالدراجة ليست مجرد وسيلة نقل، و«كيس البطاطا» ليس لقباً ساخراً فحسب، و«الأنسة» ليست معلمة عابرة، و«بلقيس» ليست فتاة جميلة فقط، بل تتحول هذه العناصر كلها إلى علامات كاشفة لبنية المجتمع ولتشكل الوعي داخله.
يمتلك السارد في هذا الباب حساسية بصرية عالية وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز. كما ينجح النص في إنتاج ما يمكن تسميته الواقعية الكابوسية، حيث يتجاور الواقعي والمتخيل:
العقارب والجن، الأحلام والجسد، الدين والرغبة، الخوف واللذة. فالواقع لا يُقدَّم بوصفه واقعاً موضوعياً، بل بوصفه واقعاً نفسياً مشوهاً بعيون طفل يتلقى العالم عبر الخوف والرغبة والأسطورة. والأهم أن الرواية في بدايتها لا تكتب الأحداث بقدر ما تكتب تشكل الوعي. نحن أمام طفل يكتشف السلطة عبر الأب والحزب والمعلم، ويكتشف الجسد عبر الرغبة والخوف والفضيحة، ويكتشف الدين عبر الملا والطقوس والكوابيس، ويكتشف الطبقة عبر الفقر والمال والأنسة وأبناء “البرجوازية”، ثم يكتشف الحب بوصفه خلاصاً شخصياً في عالم مأهول بالقبح. وهذا المسار يمنح الرواية عمقها الحقيقي، لأنها لا تقدم وعياً جاهزاً، بل تتابع ولادة هذا الوعي بتناقضاته وعثراته وخيباته.
لغة الرواية هنا واحدة من أبرز عناصرها وأكثرها خطورة في الوقت نفسه. فهي لغة شاعرية، كثيفة، مفعمة بالصور والاستعارات والانفعالات. يمتلك الكاتب حساً شعرياً واضحاً، ويعرف كيف يصنع جملة حية ومشحونة بالعاطفة، خصوصاً في وصف الحب والخوف والكوابيس والذاكرة الريفية. غير أن هذه القوة نفسها تتحول أحياناً إلى عبء، حين تصبح اللغة فائضة أكثر من اللازم، أو حين تتكدس الصور داخل الجملة الواحدة حتى تكاد تخنق الحركة السردية. كما يميل النص أحياناً إلى التكرار الموضوعي والانفعالي، خاصة في وصف الخوف والجسد والهواجس الدينية والانبهار بالأنسة أو بلقيس. وهذا لا يفسد النص، لكنه يكشف حاجة إلى تحرير فني يخفف الحشو ويبرز اللحظات الأقوى.
ومع ذلك، فإن ما يمنح الرواية تميزها الحقيقي هو جرأتها، فهي لا تهاجم السلطة بشكل مباشر أو دعائي، بل تكشف كيف تتغلغل السلطة في تفاصيل الحياة اليومية:
في اللغة، والمدرسة، و الدين، في الجسد، و الحب، وحتى في الأحلام يظهر الحزب كبديل ديني جديد، ويتحول الدين أحياناً إلى نظام خوف جماعي، ويصبح الجسد ساحة للصراع الاجتماعي والأخلاقي. ومن داخل هذا العالم تدخل بلقيس بوصفها وعداً بالخلاص والجمال، لا مجرد حبيبة، إنها رمز للطهارة والدهشة الأولى والحياة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تظل محاطة بالخوف والقداسة والأسطرة.
في الباب الثاني، تتقدم الرواية خطوة أبعد نحو تعرية الخراب الداخلي لمدينة تحكمها الخيبة والخوف والأدلجة، وهو ما يعلنه العنوان الصادم: “بلاد لا يستطيع العيش فيها سوى الحيوانات والخونة”. فهذا العنوان ليس مجرد استفزاز لغوي، بل مفتاح لفهم العالم الروائي كله، حيث تتحول المدينة إلى فضاء طارد للحب والبراءة والاختلاف.
هنا يجعل الكاتب الشخصيات تتكلم بلسان جيل كامل يعيش الانكسار. فـــ ” صابرو ” لا يبدو مجرد عاشق، بل شاب ممزق بين رغبته في الحياة وبين مدينة تسحق أحلامه. لذلك تأتي عبارته:
ويا بلقيس، يا ابنة الأحلام، ما جدوى أن نحب في بلاد لا يسلم الحديد فيها من الاحتراق..
بوصفها واحدة من أكثر الجمل تعبيراً عن روح الرواية؛ فالحب هنا لا يقف في مواجهة المجتمع فقط، بل في مواجهة الخراب العام الذي يطال حتى الأشياء الجامدة. ويرتبط الحب دائماً بالخوف والرقابة. علاقة بلقيس وصابرو تتحرك تحت عين الحزب والعائلة والمدينة. وحين يقول صابرو:
أحبكِ… وسأظل، لا أريد منكِ إلا كلمة واحدة” فإنه يبدو كمن يتمسك ببقايا نجاة أخيرة داخل عالم يتداعى.
ومن أبرز ما يميز هذا الباب نجاح الكاتب في تحويل الحوارات السياسية إلى جزء عضوي من السرد، لا إلى خطب مباشرة. ففي الندوات الحزبية يختلط الحماس بالسخرية والانكسار، خصوصاً في خطاب ديوبرزان:
“دفاعاً عن الحب، أيها الكبار… لا كما ترغبون، تعلن لكم… رغم استنكاركم لقصايانا واستمراركم بمشاكلنا المزمنة…” هنا يتحول الحب إلى موقف احتجاجي ضد السلطة الاجتماعية والسياسية معاً، وكأن الرواية تريد القول إن الدفاع عن المشاعر الإنسانية بات فعلاً معارضاً.
كما ينجح النص في تصوير التحول النفسي للشخصيات عبر الجسد والمرض والإنهاك. فبلقيس لا تعيش الحب بوصفه حالة رومانسية فقط، بل كحالة قلق دائم واختناق داخلي. ويستخدم الكاتب تفاصيل الحمى والإغماء والانهيار العصبي ليجعل الجسد مرآة لعطب المجتمع نفسه. أما شخصية ))أبو عفشة(( فتظهر بوصفها نموذجاً للسلطة الرمادية التي تتحكم بالناس عبر الخوف والولاء الحزبي، بينما تكشف شخصية «الأستاذ» عن التناقض بين الخطاب الأخلاقي والسلوك الواقعي، بما يجعل المدينة قائمة على الازدواجية والقمع المقنّع. لغوياً، يحافظ الكاتب على نبرة شاعرية، لكنه يقترب هنا أكثر من الواقعية السوداء. فعبارات مثل:
“رفقاً بقلبي يا حجارة الأرصفة” و “ما هو جسدي يسافر وحده، وقلبي يرفض مغادرة بلاد تسكنها بلقيس”
تكشف قدرة النص على الجمع بين الشعر والألم السياسي دون افتعال. وهكذا لا يكتفي الباب الثاني بتطوير الحكاية، بل يوسّع أفق الرواية لتصبح شهادة على جيل يعيش بين الحب والحزب والمنفى الداخلي.
أما الباب الثالث، المعنون بـــ )) بلاد سقطت من عربة التاريخ فقطعتها الجغرافية من أذنها ((، فيشكل نقطة تحول كبرى في البناء السردي والنفسي. وإذا كانت الأبواب السابقة قدّمت الشخصيات وهي تحاول اكتشاف العالم والحب والمدينة، فإن هذا الباب يكشف سقوط تلك الأحلام تحت ضغط السياسة والجسد والذاكرة والموت. العنوان نفسه يضع القارئ أمام وطن خارج الزمن، لا يعاني من أزمة سياسية فقط، بل من اقتلاع تاريخي وحضاري؛ فالجغرافيا تتحول إلى قوة عقابية تقطع “الأذن”، أي تعزل البلاد عن الإصغاء للعالم والتاريخ والإنسان. يفتتح السارد هذا الباب بوصف الحياة الجامعية في سوبارتو، لكنه لا يقدمها كفضاء معرفي حر، بل كامتداد للخوف السياسي والاجتماعي. يقول:
شعرت بالغربة بينهم عندما تأكدت من أن للأحزاب يداً حتى في سكن الطلبة.
هذه العبارة تكشف تغلغل السلطة الحزبية حتى في التفاصيل اليومية الصغيرة، بحيث لا يعيش الطالب حياته الفردية بحرية، بل داخل شبكة مراقبة وانتماءات ضيقة. لذلك تتحول الجامعة من مكان للحلم إلى مكان للعزلة النفسية.
تحتل بلقيس مركز الثقل العاطفي في هذا الباب، فهي ليست مجرد حبيبة، بل تمثل لدى السارد الحلم بالنقاء والخلاص من العنف الداخلي. ومن أكثر الحوارات دلالة قولها: أريد أن أظل نظيفة، نظيفة، لا أريد أن أخطئ.
في هذه الجملة يتكثف مأزق المرأة في مجتمع محافظ، فهي لا تخشى الحب ذاته، بل تخشى “ الخطأ ” كما يعرّفه المجتمع لذلك يظهر الجسد في الرواية بوصفه ساحة صراع بين الرغبة والذنب، لا مساحة حرية كاملة.
ويتميز هذا الباب بلغة حسية كثيفة، حيث يعتمد الكاتب على وصف الجسد واللمس والأنفاس والارتجاف، لكنه لا يفعل ذلك بهدف الإثارة، بل للكشف عن هشاشة الشخصيات النفسية. ففي مشاهد العلاقة الحميمة يمتزج الحب بالخوف والندم والانكسار. الجسد هنا ليس انتصاراً للرغبة، بل محاولة يائسة للهروب من الوحدة. ولهذا تتكرر مشاهد البكاء والانهيار بعد لحظات القرب الجسدي. ومن أكثر المقاطع تأثيراً ذلك الاعتراف الطويل:
أبكي على دينو… أبكي على نفسي… أبكي لأنني سأموت… أبكي على سوبارتو… أبكي لأنسى… أبكي لأبكي.
التكرار هنا ليس زخرفة لغوية، بل تفكك نفسي حقيقي، حيث يصبح البكاء اللغة الوحيدة الممكنة بعد عجز الكلمات عن تفسير الخراب الداخلي.
وتقدم الرواية شخصية «نرجس» بوصفها نموذجاً آخر للمرأة التي يسحقها الواقع الاجتماعي والسياسي. يقول السارد:
” عرفت جيداً أنه بعد خسارته الفادحة في حب ترجين بإمكانه الدخول في أية علاقة “.
تكشف هذه العبارة أن الخسارة العاطفية لا تجرح القلب فقط، بل تغيّر البنية الأخلاقية والنفسية للإنسان، وتجعل العلاقات اللاحقة أقل نقاءً وأكثر هشاشة. أحد أهم إنجازات هذا الباب هو الربط بين الخاص والعام. فالحب لا يجري في فراغ، بل داخل عالم مهدد بالموت والانفجار. ويتجلى ذلك بوضوح في مشهد العرس الدموي:
«اخترقت الطلقات رؤوس وأجساد المحتفلين».
هنا يتحول الفرح إلى مجزرة، والعرس إلى جنازة جماعية. كما أن صورة العروس التي بقيت «تراقب بذهول القتلة المدججين أمامها» تمنح المشهد بعداً رمزياً؛ فالعروس تبدو كصورة للوطن نفسه: جميل، أعزل، ومحاصر بالعنف.
وفي الصفحات الأخيرة من هذا الباب يتحول الحريق إلى رمز شامل للانهيار الحضاري والإنساني. يقول السارد:
«دخان الحريق… دخان بطانيات السجن المحروقة… دخان النجوم الذائبة في السماء».
الدخان يغطي السجن والمدينة والسماء والذاكرة، وكأن الشخصيات لم تعد تعيش داخل وطن، بل داخل رماد دائم. وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية حين يطرح السارد سؤال الكتابة نفسها:
«لماذا تكتب؟ ما جدوى الكتابة عندما يحترق الناس وتحترق الأمكنة؟»
إنه سؤال وجودي يشكك حتى في وظيفة الأدب أمام المأساة الإنسانية.
وتأتي نهاية الباب شديدة الحزن، حين يقول السارد:
«ويبدو أنني فقدتك فعلاً يا بلقيس، فقدتك… شعوري، فقدت الشرف».
إنه اعتراف بسقوط الذات الكامل، ففقدان بلقيس يتحول إلى فقدان للهوية والكرامة والتوازن النفسي. ثم تأتي العبارة الأكثر تأثيراً على لسان سليمان:
«أريد أن أبكي».
هذه الجملة تختصر الباب كله: بعد العنف والحب والخسارات، لا تطلب الشخصيات الانتصار أو الخلاص، بل القدرة على البكاء؛ أي الاحتفاظ بما تبقى من إنسانيتها.
في الباب الرابع، ينتقل النص إلى مستوى آخر من تفكيك الداخل الإنساني. الرواية هنا لا تُبنى على الحبكة التقليدية بقدر ما تُبنى على التدفق النفسي ومراقبة التشققات الدقيقة في الروح والجسد والذاكرة. وهذا يمنح النص خصوصيته، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام تحديات فنية كبيرة.
أبرز ما يلفت في هذا الباب أن اللغة ليست مجرد أداة نقل، بل جزء من الحالة النفسية ذاتها. هناك قدرة واضحة على خلق مناخ عاطفي كثيف، خاصة في المقاطع التي يمتزج فيها الجسد بالحزن والاغتراب والحنين. ينجح النص في بناء توتر نفسي مستمر، وجعل الجسد مرآة للقلق الروحي، وتحويل الحوار إلى اعتراف داخلي أكثر منه تبادلاً للكلام، وخلق شعور دائم بأن الشخصيات تهرب من شيء لا تعرفه تماماً.
شخصية سليمان مرسومة بوصفها شخصية مأزومة داخلياً، تعيش بين الرغبة والذنب والحنين والبحث عن خلاص مستحيل. أما سيلفا فليست مجرد امرأة عابرة، بل تبدو استعارة للخلاص، أو محاولة لترميم الروح، أو تعويضاً عن انكسار قديم. العلاقة بين سليمان وسيلفا ليست علاقة حب بسيطة، بل علاقة إنقاذ متبادل، وتعلق مرضي أحياناً، ومحاولة للهروب من العطب الداخلي. ومع ذلك، تظهر هنا ملاحظة نقدية مهمة:
أحياناً تتحول الشخصيات إلى أصوات متشابهة نفسياً وفلسفياً. أي أن سيلفا وسليمان يتحدثان بوعي قريب، وباللغة الداخلية نفسها تقريباً، وبالدرجة ذاتها من التأمل، وهذا يضعف التمايز الدرامي بين الشخصيات. كان يمكن منح سيلفا لغة أكثر استقلالاً، وإيقاعاً نفسياً مختلفاً، وردود فعل أكثر تناقضاً، لكي تصبح شخصية حية بالكامل لا مجرد امتداد لوعي الراوي.
الجسد في هذا الباب ليس للإثارة الرخيصة، بل يحمل وظيفة رمزية ونفسية واضحة. إنه ذاكرة، وخوف، وعزلة، ومحاولة لاستعادة الحياة. غير أن بعض المشاهد الجسدية تطول أحياناً إلى درجة تبطئ السرد. فبعض المقاطع كان يمكن اختصارها دون خسارة شعورية، لأن التكرار قد يجعل التأثير أضعف بدل أن يجعله أعمق.
أقوى ما في هذا الباب هو الإحساس الحقيقي بالوحدة الإنسانية. هناك شعور دائم بأن الشخصيات خائفة، مكسورة، تبحث عن دفء، وتحاول الاحتماء من العالم عبر الحب. كما أن فكرة أن الإنسان لا يبحث فقط عن الحب، بل عن شخص يعترف بوجوده، تتكرر ضمنياً في النص، وهي من أجمل طبقاته الفكرية.
في الباب الخامس، «بلاد تأكل لحوم عشاقها وترمي عظامهم على الأرصفة»، تبلغ الرواية ذروتها الشعورية والنفسية. هنا تنتقل الحكاية من مجرد علاقة حب مأزومة إلى مواجهة عارية بين الإنسان ووحدته، بين الجسد بوصفه ملاذاً أخيراً، والعالم بوصفه آلة للسحق الأخلاقي والاجتماعي. العنوان يضع القارئ داخل فضاء افتراسي، فالبلاد ليست مكاناً جغرافياً فقط، بل بنية قمعية كاملة:
مجتمع، اقتصاد، أخلاق، وعلاقات بشرية تستنزف الحب حتى النهاية.
يفتتح الباب بمشهد بالغ القسوة حين تخبر بلقيس سليمان أن رجلاً سألها عبر الهاتف عن “الثمن الذي تطلبه لبيع جسدها”، فتقول:
«هل تصدق الآن كيف ينظر إليّ الناس؟»
هذه الجملة ليست شكوى امرأة مجروحة فحسب، بل إعلان انهيار المعنى الإنساني للمرأة داخل مجتمع يحولها إلى سلعة. الكاتب لا يقدم الحادثة كحدث عابر، بل يجعلها شرارة لانفجار نفسي طويل يكشف هشاشة الشخصيات وخراب العالم المحيط بها. اللافت في هذا الباب أن الحب لا يُكتب بلغة رومانسية تقليدية، بل عبر التلاصق الجسدي بوصفه مقاومة للموت. بلقيس لا تطلب من سليمان وعوداً، بل تطلب حضوره الجسدي الكامل:
«أحبني بقلبي، أرجوك… أحبني». وتقول أيضاً:
«سأعطيك كل يوم أحد أطعم الشوكولاتة التي تحبها… وأطبعك على صدرك حين تنامين».
هنا يتحول الجسد إلى وطن بديل، وإلى محاولة يائسة لبناء أمان نفسي في عالم متصدع. التفاصيل الصغيرة، مثل الشوكولاتة والسرير والعناق ولمس الأصابع، تصبح أدوات تعبير أعمق من الخطب الطويلة.
لكن هذا الجسد نفسه يتحول تدريجياً إلى مصدر خوف وتهديد. بلقيس لا تتعامل مع جسدها بوصفه ملكاً لها، بل كشيء مطارد ومدان اجتماعياً. لذلك تتكرر إشارات الخجل والاختباء والارتباك، وكأن العلاقة كلها تُعاش داخل منطقة محرمة. ومن أجمل تقنيات الباب تكرار الزمن بطريقة هستيرية تقريباً:
“طلب لساعة واحدة…”
“طلب لدقيقة واحدة…”
“طلب لحياة واحدة…”
هذا التدرج يكشف أن الشخصيات تعيش الحب كشيء مؤقت دائم التهديد. الزمن هنا خصم يسرق اللحظات من العاشقين. وحين تقول بلقيس:
” أحبني يوماً واحداً فقط”
فإن الجملة في ظاهرها متواضعة، لكنها في العمق مأساوية؛ لأن من يطلب يوماً واحداً فقط هو شخص فقد ثقته بكل المستقبل.
الشخصية الأكثر تعقيداً في هذا الباب هي بلقيس. فهي تتأرجح بين المرأة العاشقة والمرأة المذعورة، بين الرغبة في الانصهار الكامل مع سليمان والخوف من تدمير حياته. تقول له:
«أنا لعنة». وفي موضع آخر: «إذا خرجت من هذا البيت فلن يعود إليّ أبداً».
إنها تدرك أنها تدخل علاقة مستحيلة أخلاقياً واجتماعياً، لكنها عاجزة عن التراجع. هذا التناقض يمنح الشخصية صدقاً إنسانياً كبيراً. فهي ليست “امرأة خائنة” بالمعنى السطحي، بل إنسانة ممزقة بين الحاجة إلى الحب والإحساس العميق بالذنب. ويبلغ هذا التمزق ذروته حين تقول: «كنتُ النوم الحقيقي».
فهذه العبارة تختصر معنى العلاقة بالنسبة إليها: سليمان ليس حبيباً فقط، بل راحة نفسية وهدوء داخلي افتقدته طويلاً. أما سليمان، فيتحول تدريجياً من عاشق مرتبك إلى شخصية خلاصية تكاد تتماهى مع صورة “المنقذ”. لذلك تقول له بلقيس:
«لا رجل في العالم يشبهك يا سليمان».
لكن النص يترك دائماً مسافة شك: هل سليمان فعلاً استثنائي، أم أن بلقيس تبالغ في خلق أسطورة حوله لأنها تحتاج إلى معجزة نفسية تنقذها؟ هذه المسافة تمنع الرواية من السقوط في الميلودراما الكاملة، وتجعل القارئ واعياً بأن الحب قد يكون أيضاً وهماً جميلاً.
الرواية لا تتعامل مع الخيانة كفعل أخلاقي فقط، بل كزلزال داخلي. بلقيس لا تخاف المجتمع بقدر ما تخاف انهيار صورتها عن نفسها. لذلك تقول:
«كنت أخاف أن أفسدك».
وفي المقابل، يظهر الزوج مراد بوصفه رجلاً غائباً حتى وهو حاضر. حضوره مرتبط بالعمل والمال والسفر والأشياء المادية، بينما سليمان مرتبط بالإصغاء والدفء والتفاصيل الحميمة. لذلك يصبح الصراع الحقيقي ليس بين رجلين، بل بين نمطين من الحياة: حياة الاستهلاك والفراغ، وحياة العاطفة الخطرة.
لغة الباب الخامس هي الأكثر شعرية في الرواية. الجمل طويلة، متدفقة، مليئة بالنداءات والتكرار والانفعالات، كما في عبارة:
«أنت كرامتي يا سليمان… أنت الحداد الذي صنع السمار لعينتي على الصبر».
هذه اللغة لا تسعى إلى الواقعية الدقيقة بقدر ما تسعى إلى كشف الهشاشة الداخلية للشخصيات. كما يستخدم الكاتب التكرار بوصفه أداة نفسية، لا أسلوبية فقط؛ فكلمات مثل “أحبك”، “خائف”، “لا تتركني”، “أنت حياتي” تعكس حالة الهلع العاطفي.
وتتكرر في هذا الباب رموز مركزية: الطيور بوصفها صورة للحرية المستحيلة، والخاتم بوصفه علامة عبور من البراءة إلى التورط، والبيت بوصفه مساحة مزدوجة: مكاناً للحب والخوف معاً. كل الأبواب والممرات والغرف تحمل توتراً دائماً، كأن الشخصيات تعيش داخل فخ.
ثم تأتي رسائل بلقيس إلى سليمان بوصفها إحدى الذرى العاطفية في الرواية. هذه الرسائل ليست زخرفة رومانسية، بل جزء عضوي من البناء النفسي. بلقيس هنا لا تبدو امرأة عاشقة فقط، بل امرأة تتعلم الاعتراف، تواجه خوفها، تتحرر من قمعها الداخلي، وتعيد تعريف الحب باعتباره شجاعة لا ضعفاً. الجملة المفتاحية في هذا القسم هي:
“أشعر بأن أكبر العقد في حياتي قد حُلّت، وهي عدم اعترافي بالحب”.
هذه ليست جملة رومانسية فقط، بل مفتاح فلسفي للشخصية كلها.
بعد ذلك يحدث انتقال ذكي من الخاص إلى العام. في البداية تبدو الرواية شديدة الخصوصية: امرأة، رجل، خيانة، شوق، رسائل. لكن لاحقاً تتحول الأزمة العاطفية إلى أزمة عالم. فالحرب، الفن، الاقتصاد، شبكات النفوذ، الأكاديميا، الصحافة، المال، وحتى «سوبارتو / المكان »، كلها تبدأ بالتقاطع مع مصير الشخصيات. هنا تخرج الرواية من إطار “رجل وامرأة” إلى سؤال أوسع: كيف يفسد العالم الحب؟ وكيف ينجو الحب وسط الخراب؟
في الباب السادس، المعنون بـ «بلاد لا تفتح بوابات صدرها إلا لذوي القرون، للعاهرات، وللموت… فقط»، تدخل الرواية مرحلة أكثر ظلاماً. العنوان يمتلك قسوة وشعرية وإعلاناً فلسفياً عن انتقال النص من الحميمية إلى الرؤية الحضارية السوداوية. في هذا الباب لم يعد سليمان مجرد رجل يحب بلقيس، بل صار شاهداً على انهيار العالم، وعلى تواطؤ الفن مع السلطة، وعلى اختلاط المال بالجسد، وعلى سقوط المعايير الأخلاقية. خصوصاً حين يصبح الفن نفسه جزءاً من شبكة النفوذ، لا خلاصاً روحياً.
تبدأ الفكرة ” سوبارتو/ المكان ” هنا بالتحول إلى رمز مركزي. في البداية قد يظنه القارئ مكاناً سرياً أو شبكة دعارة أو فضاء نفوذ، لكنه يتكشف لاحقاً بوصفه نظاماً كاملاً لإدارة الرغبة والسلطة. ظاهرياً هو مكان/سر/شبكة، نفسياً هو اختبار للرغبة والخوف، رمزياً هو بوابة إلى العالم السفلي، وفلسفياً هو تمثيل للسلطة الخفية التي تدير البشر عبر الرغبة والمال والاحتياج.
وتبلغ الرواية في الباب السابع منعطفاً مهماً، رغم قصره. إنه ليس مجرد فصل جديد، بل بوابة النزول النهائي. يأتي افتتاحه:
«أدعوكم للدخول بأنفسكم… تفضلوا!»
وكأن السارد لم يعد راوياً فقط، بل صار مرشداً داخل متاهة، أو حارس جحيم، أو شاهداً يفتح الأبواب للقارئ كي يختبر السقوط بنفسه. هذه نقلة روائية ناضجة، لأنها تجعل القارئ شريكاً في التجربة لا مجرد متلقٍ لها.
في هذه المرحلة لا تعود « سوبارتو » مكاناً فحسب، بل نظاماً يذيب الحدود بين الفن والجسد والمال والسياسة والروح. يصبح اقتصاداً وسوقاً وعقيدة وطريقة حكم وآلية لتفكيك الإنسان. وهنا يتحول سليمان إلى شخصية تراجيدية حقيقية: بدأ عاشقاً، ثم صار مراقباً، ثم باحثاً، ثم مهووساً، والآن يقترب من الجنون الوجودي. هذا الجنون ليس مفتعلاً، بل نتيجة طبيعية لاكتشاف الحقيقة، والاصطدام بالقوة الخفية، والعجز عن الإنقاذ، وانهيار صورة العالم القديمة.
وتظهر شخصية العجوز بوصفها من أقوى شخصيات الرواية في هذه المرحلة. فهو ليس مجرد شخصية عابرة، بل بواب وكاهن وسمسار وفيلسوف مظلم. أحياناً يبدو قريباً من شخصيات كافكا، أو من “فيرجيل” الذي يقود إلى الجحيم، أو من شيوخ الطرق الصوفية ولكن بصورة معكوسة ومظلمة. وجوده يمنح الرواية غموضاً وهيبة وعمقاً ميثولوجياً.
أما المشهد الإيروسي في الرواية، فلا يأتي جنسياً بالمعنى السطحي. الجسد ليس للمتعة فقط، بل هو أداة سلطة، وسلاح، وبوابة هيمنة، وطريقة لكشف هشاشة البشر. ولهذا لا تسقط الرواية في الابتذال رغم جرأتها العالية، بل تبقى داخل منطقة يمكن تسميتها الإيروس الفلسفي.
كما تصبح اللغة في الصفحات الأخيرة سينمائية جداً. الدخان، اللهب، الرائحة، الأبواب، الممرات، الظلال، الموسيقى، الرماد، الغرف الحمراء، الضوء المتقطع؛ كل ذلك يجعل الرواية قابلة للتحويل إلى فيلم نفسي أو مسلسل داكن أو عمل مسرحي بصري. الكاتب لا يكتب المشهد فقط، بل يبني جواً كاملاً.
أقوى ما في الرواية، في نهاية المطاف، ليس الحب وحده، بل العلاقة بين الرغبة والخوف. كل الشخصيات تريد، لكنها خائفة. حتى بلقيس نفسها تريد الحب وتخشاه، تريد الخلاص وتخاف من ثمنه. وهذا ما يمنح الرواية عمقها الحقيقي.
ومع ذلك، لا تخلو الرواية من ملاحظات فنية مهمة. فهناك أحياناً خطر التشبع العاطفي، حيث تتكرر الاعترافات والشوق ووصف الحب والخوف من الفقد بصيغ متعددة تؤدي الإحساس نفسه. وهناك أيضاً خطر التضخم الرمزي، حيث قد تجعل كثافة الرموز والفلسفة والإيروس والغموض والخطاب التأملي القارئ يبتعد عن الشخصيات نفسها. بمعنى آخر، قد تبتلع الفكرة الإنسان. لذلك تحتاج الرواية في بعض مواضعها إلى تثبيت الجانب الإنساني، ومنح الشخصيات لحظات ضعف بسيطة وعادية، وتخفيف التوتر الفلسفي أحياناً، وإعطاء القارئ متنفساً واقعياً.
ومع هذه الملاحظات، فإن «سوبارتو» لا تبدو رواية رومانسية تقليدية، بل رواية نفسية ـ فلسفية ـ اجتماعية. فيها أثر من دوستويفسكي في التحليل النفسي، ومن ماركيز في الجو الكابوسي، ومن نجيب محفوظ في مراقبة تحولات المجتمع، وربما من كافكا وكونديرا في بعض ملامح الغرابة والقلق الفلسفي، لكنها في الوقت نفسه تمتلك صوتها العربي ـ الكردي الخاص والواضح.
إن أهم ما يميز الرواية أنها لا تبدو مكتوبة للتأثير السريع، بل مكتوبة من داخل تجربة شعورية حقيقية. هي رواية عن بلاد لا تترك للحب أن ينجو، وعن شخصيات تحاول الاحتماء ببعضها من عالم أكثر قسوة منها. وفي لحظتها الأخيرة، حين تنفتح الأبواب ويدعو السارد القارئ: «أدعوكم للدخول بأنفسكم… تفضلوا!»، تكون الرواية قد تجاوزت مرحلة الحكاية، ودخلت منطقة العمل الذي يملك هوية أدبية حقيقية.

  • كاتب وإعلامي

https://www.eywanawejeye.net/2026/05/18/%D8%B3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%88-%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA/?fbclid=IwY2xjawR5YDpleHRuA2FlbQIxMABicmlkETA1V0hMRzB5ejQ0cUpCV0RJc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHkLZb5DVVkqtELWu2wJdCp_h2pBKqKtkAFbypb0RpBwor3RS2rMBbRQXFdMg_aem_NMSVFkNF5MWuLPK0XhBghw

يوم جميل في ايسن: ندوة وحفل توقيع الكتاب

24.08.2025

يوم جميل في ايسن

قضينا اليوم أمسية أدبية ممتعة في مدينة ايسن بألمانيا، تمحورت حول التعريف بروايتي الجديدة”سيرة عابر ألغام” وتوقيعها لمحبي الأدب.

كل الشكر للمشاركات القيمة التي أغنت الأمسية، للجهة المنظمة”اتحاد الكتاب والصحفيين الكرد واتحاد كتاب كردستان سوريا”

والشكر موصول لكل من حضر، وخاصة ممن قدم من مسافات بعيدة

حليم يوسف: سيرة عابر ألغام – ندوة أدبية وحفل توقيع الكتاب في مدينة ايسن بألمانيا

24.08.2025

ستقام يوم الأحد في الرابع والعشرين من آب2025 ، الواحدة ظهرا، ندوة أدبية حوارية في مدينة ايسن بألمانيا، حول رواية حليم يوسف “سيرة عابر ألغام” ، والتي صدرت مؤخرا عن دار الزمان للنشر والتوزيع.

ادارة الأمسية: أفين برازي

ويشرف على تنظيم الأمسية كل من الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا وإتحاد كتاب كردستان سوريا. ستعقب الأمسية الحوارية حفلا لتوقيع الكتاب الجديد.

سيرة عابر ألغام-رواية جديدة للكاتب حليم يوسف

روداو – 26.05.2025

صدر عن دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، العمل الروائي الجديد للكاتب الكردي حليم يوسف بعنوان “سيرة عابر ألغام” في طبعته الأولى لعام 2025، وهو عمل يستند إلى أحداث واقعية وشهادات شخصية تمّت صياغتها بروح السيرة الذاتية، ضمن سرد أدبي يضيء على تفاصيل حياة الكاتب في الوطن والمنفى

هذه هي الرواية السابعة التي تصدر للكاتب، وتقع في 365 صفحة من القطع الوسط

https://www.facebook.com/100006458613713/videos/2084459258728414

حليم يوسف المدمن على عبور الألغام

ولاتيمه – 15.07.2025

علي شمدين

المقدمة

لقد تعرفت على الكاتب حليم يوسف أول مرّة في أواخر التسعينات من القرن المنصرم، وذلك خلال مشاركته في الندوات الثقافية الشهرية التي كنا نقيمها في الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، داخل قبو أرضي بحي الآشورية بمدينة القامشلي باسم ندوة (المثقف التقدمي)، والتي كانت تحضره نخبة من مثقفي الجزيرة وكتابها ومن مختلف الانتماءات، وكان الكاتب حليم يوسف أحد هؤلاء المواظبين على حضورها، وعرفته حينذاك شاباً منطوياً على نفسه بعض الشيء، قليل الكلام، تغطي ملامحه مسحة من الخجل والهدوء، وتظهر تصرفاته الكثير من التواضع والبساطة.

ولكنني تفاجأت فيما بعد، وتحديداً بعد صدور روايته (سوبارتو)، التي أثارت ضجة إعلامية تزامنت مع الضجة الواسعة التي كانت تثيرها آنذاك رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية)، وكشفت روايته (سوبارتو)، بأحداثها الواقعية وتفاصيلها العارية تماماً عن شخصية كاتبها الذي أظهر الكثير من الشجاعة والتمرد على تقاليد مجتمعه وعلى القيود التي كانت تكبل هذا المجتمع من كل الجهات، وفجر بجرأة نادرة قوة التحدي المحبوسة بداخله دفعة واحدة عبر صفحات روايته هذه وعبر تصرفات أشخاصها وسلوكهم، متجاوزاً بأسلوبه التشريحي الدقيق  واللاذع الكثير من الخطوط الحمراء في وقت كان سيف التكفير مسلطاً على رقبة كل من يحاول اقتحامها والخروج عليها، كمحاولة الحديث عن الدين وخرافاته والخوض في عالم الحب والدوائر المغلقة التي تحيط بالعلاقات الإنسانية المختلفة وخاصة بين الرجل والمرأة.. وغيرها من الظواهر التي لا زالت تنخر في مفاصل المجتمع الكردي حتى يومنا هذا.

وآخر لقاء بيننا كان في (١٣/٨/٢٠١٧)، وذلك خلال زيارته لمدينة السليمانية قادماً من أوروبا التي لجأ إليها منذ عام (٢٠٠٠)، وحينذاك كان يعمل على إعداد برنامج تلفزيوني لصالح قناة (Ronahî)، بعنوان (الباب الآخر)، وصدف أن أجرى معي في تلك الزيارة لقاءً شاملاً حول تجربتي الثقافية والسياسية، وكيفية التوافق بينهما، فوجدته حينذاك مثقفاً ناضجاً يخدم قضيته القومية بكل طاقته، وإعلامياً محنكاً يعرف كيف يدير الحوار مع ضيفه، فضلاً عن كونه مثقفاً غزيراً بنتاجاته وكتاباته الأدبية، حتى بات اليوم يعد أحد الكتاب اللامعين في الحقل الثقافي الكردي، وخاصة في مجال كتابة الرواية والقصة القصيرة والمقالات وغيرها، وباتت نتاجاته تترجم لأكثر من لغة

من هو حليم يوسف؟

حليم يوسف، هو كاتب كردي من مواليد (عامودا ١٩٦٧)، يقيم حالياً في ألمانيا، وهو متزوج من فتاة كردية من شمال كردستان، جمعته بها الصدفة في أحد المهرجانات الأدبية الكردية التي أقيمت في تركيا، وكان هو مشاركاً في ذلك المهرجان بمجموعته القصصية (مم بلا زين). يكتب باللغتين (الكوردية والعربية)، وحائز على شهادة الحقوق من جامعة حلب. يقول بأنه ولج عالم القراءة عبر مطالعته روايات جرجي زيدان التي أيقظت لديه موهبة القراءة وصقلتها، فهو يؤكد بأنه: (لطالما أغلقت على نفسي الباب وأنا أغيب لساعات بين سطور هذه الروايات..ص٨٨)، ومن القراءة اهتدى إلى عالم الكتابة وهو لم يزل في سن مبكرة من عمره، حيث يقول: (لا أعرف كيف اهتديت إلى اكتشاف آخر وهو أنّ ما من لذّة تضاهي لذة القراءة، سوى الكتابة، وخاصة كتابة ما يجول في النفس من مشاعر وأفكار..ص٨٨)، فكان حصاده في هذا المجال الكثير من الروايات والقصص القصيرة والمقالات والحوارات،  فضلاً عن مساهماته العديدة في مجال الترجمة وكتابة النصوص المسرحية.. إلخ.

وهنا يمكننا أن نذكر أهم رواياته: سوبارتو (رواية- ١٩٩٩)، خوف بلا أسنان (رواية- ٢٠٠٦)، حين تعطش الأسماك (رواية- ٢٠٠٨)، تسع وتسعون خرزة مبعثرة (رواية- ٢٠١١)، الوحش الذي في داخلي (رواية- ٢٠١٨)، الطيران بأجنحة متكسرة (رواية- ٢٠١٩). ونذكر أيضاً أهم مجموعاته القصصية: (الرجل الحامل ١٩٩١، نساء الطوابق العليا ١٩٩٥، موتى لا ينامون ١٩٩٦، مم بلا زين ٢٠٠٣، آوسلاندر بيك ٢٠١١، الرجل الذي يبحث عن ذيله ٢٠٢١..). وأصدر دراسة نقدية، بعنوان: (الرواية الكردية- الكرمانجية والزازاكية- بانوراما شاملة، من العام ١٩٣٠ حتى العام ٢٠١٠، تاريخ الصدور ٢٠١١). وجمع مقالاته في كتاب أصدره بعنوان: (النيران التي تلتهم بيتنا- مقالات -٢٠٢٣). وكذلك جمع حواراته في كتاب بعنوان: (حفيد الغبار- أربعون حوارا مع حليم يوسف- ٢٠٢٣).

رواية (سيرة عابر ألغام):

لقد استلمت مؤخراً من صديقنا المشترك فتح الله حسيني نسخة من رواية (سيرة عابر ألغام)، لكاتبها المبدع (حليم يوسف)، من منشورات (دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق)، صدرت الطبعة الأولى منها عام (٢٠٢٥)، وهي تضم بين دفتيها (٣٦٥) صفحة من القطع المتوسط، ويفصح عنوانها عن مضمونها الذي يتناول تفاصيل سيرته الذاتية المحفوفة بمغامرات السير بين الألغام من دون مرشد أو دليل، حتى إنه يخيل لقارئها في الوهلة الأولى بأنها مجرد حكايات من سرد خيال راويها، ويعتقد بأن الكاتب قد صاغ أحداثها من خياله ونسج تفاصيلها من بنات أفكاره، إلّا أن كاتبها يتدارك سلفاً مثل هذا التصور فيكتب على الغلاف الأخير من روايته، مايلي: (لم أجنح للخيال، فحياتنا الواقعية فيها من الخيال ما يفوق الخيال..).

يسرد حليم يوسف، المتمكن من لعبة الكتابة عموماً والرّواية منها خصوصاً، سيرته الذاتية من دون رتوش عبر صفحات روايته الجديدة (سيرة عابر ألغام)، بلغة عربية سهلة ومفهومة، وينسج أحداثها بأسلوب أدبي سلس يتناول فيها، وعبر هذه الأحداث المتتالية زمنياً، المحطات الرئيسية من حياته الحافلة بالمواقف الجريئة التي قادته في بعض الأحيان إلى حافة الموت، والأحداث الدراماتيكية التي شاهدها بأم عينيه خلال حياته والتي كادت أن تجرفه بين أمواجها نحو الهاوية، والحكايات الاجتماعية الممنوعة التي كانت تغويه بتفاصيلها المثيرة فيتابع خيوطها التي كانت تسحبه خلفها نحو دوامة التخوين والتكفير والدخول إلى المناطق المحرمة المزروعة بالألغام، فيرصد المفارقات الجارحة، ويوازن بين الثنائيات المتناقضة المتفاعلة فيما بينها في وحدة وصراع الأضداد، كالمفارقة التي حصلت معه، عندما احتمى بسلطة مدير ناحية عامودا ضد تهديدات الناس الذين تناولهم في روايته (سوبارتو)، فيقول: (أحسست خلالها بإحباط شديد، وبكثرة الجدران العالية التي تحجب عني وعن أمثالي العيش بحرية، والتمتع بهذه الفسحة القصيرة من الحياة التي تتاح للإنسان مرّة واحدة فقط، أحسست بأن الطرق الواصلة إلى المناطق التي تتواجد فيها الحياة من حولي مزروعة بالألغام والأسلاك الشائكة..ص١٤٧).

مسيرتة الطويلة بين الألغام:

هناك خيط رهيف يربط كل هذه الأحداث ببعضها كحبات المسبحة، وهو غريزة البقاء وحب الحياة بحرية وكرامة، هذا الخيط هو الذي قاد والده للانتقال من قرية (حربة)، التي تقع اليوم (فوق الخط)،  إلى قرية (نجم)، التابعة لناحية عامودا (تحت الخط)، لمجرد أنه أراد أن يتحدى التقاليد ويعيش الحياة مع من يحب كما يرغب، فقام بخطف حبيبته وحاول الهرب بها عبر الألغام إلى تحت الخط، وبالرغم من أنها تركته وهربت منه في منتصف الطريق بعد أن فشل في إقناعها، إلّا أنه اضطر إلى متابعة طريقه وحيداً حتى حلّ به الرحال في قرية (نجم)، ولنفس السبب الذي تمثل بقيام عمه هو الآخر بخطف حبيبته من قرية (نجم)، اضطروا على الانتقال من هناك أيضاً إلى القرية المجاورة (خجوك)، ومنها إلى قرية (هرم رش)، إلى أن استقر بهم المقام في بلدة (عامودا)، مسقط رأس الكاتب الذي بدأت مسيرة حياته الشاقة والمريرة تنطلق من هناك، مسيرة البحث عن الذات، فينتقل منها، بعد أن ينهي دراسته الثانوية فيها، إلى مدينة (حلب)، ويلتحق هناك بكلية الحقوق، وبعد أن ينهي دراسته الجامعية ويؤدي خدمته الإلزامية هناك، يعود إلى عامودا لتواجهه من جديد المضايقات الأمنية والاجتماعية والمعيشية، فيضطر للهجرة إلى أوروبا عبر الحدود المحصنة بالأسلاك الشائكة وحقول الألغام، ليستقر به المكان أخيراً في ألمانيا، وهو لا يزال يعيش فيها حتى اليوم غارقاً في دوامة الشعور الدائم بالذنب لأنه ترك وطنه، فيقول مذهولاً: (من المفارقات العجيبة في حالة المهاجر هو أنه يحن حتى إلى ما كان يكرهه في وطنه الأم..ص١٨٥)، ويتابع حياته مهاجراً في بلاد الغربة وعقدة تأنيب الضمير تأكله من الأعماق لأنه ترك والديه خلفه في وقت كانا بأمس الحاجة لوجوده إلى جانبهما. وفي أول زيارة له للوطن بعد أن رحل والداه إلى دار الحق، يذهب إلى مقبرة شرمولا في عامودا ويجلس أمام ضريحيهما لساعات طويلة يناجي خلالها نفسه بمرارة وألم، معبراً بذلك عن شعور آلاف الشباب الذين قذفتهم الحرب الكارثية في سوريا إلى المهاجر وشتتهم بين أصقاع العالم تاركين خلفهم أهلهم من دون رعاية أو معيل. فيقول الكاتب وشعور الهزيمة تعصر قلبه: (لقد شعرت بنفسي منكسراً، حزينا،ً نادماً ومذنباً كبيراً بحق أبي وأمي اللذين قدما لي كل شيء، وقد فعلا كل ما بوسعهما كي أكبر، وما أن كبرت قليلاً حتى أدرت لهما ظهري، وتركتهما للكهولة والموت، وهاجرت إلى بلاد بعيدة بحثاً عن وضع أفضل لي فقط، أنا الأناني الناكر للجميل.. ص٣٣٣).

أحداث الرواية:

يرصد الكاتب في روايته (سيرة عابر ألغام)، وعبر (٣٦٥) صفحة من القطع المتوسط، تفاصيل سيرته الذاتية التي عاشها وشاهدها بأم عينيه خلال مرحلة الطفولة والشباب والنضوج التي أمضاها بين عامودا وحلب وألمانيا، ويذكر بحس مرهف الأماكن والأشخاص بأسمائها، ويصيغ بدقة شديدة الحكايات التي عاشها بنفسه أو كان شاهداً على أحداثها، ويفضح من دون رحمة الظواهر السلبية القاتلة التي يعيشها المجتمع الكردي من الظلم والقهر والاستبداد. كما أنه ظلّ يدعو من دون يأس أو ملل عبر كتاباته الغزيرة ومواقفه المسؤولة الى مكافحة الجهل والفقر والحرمان الذي يعانيه الكرد في حياتهم هذه المعاناة التي لا تنتهي إلّا بمماتهم، فيقول: (يشدني هدوء الموتى الراقدين في المقابر الذين أداروا ظهورهم لصخب الأحياء وضجيجهم وركضهم الدائم وراء المجهول، ويكفون عن إنزال الأذى ببعضهم بعضاً وبغيرهم..ص٣٣٢). وبالرّغم من أنه كان يتمزق في داخله أمام فظاعة هذا الواقع المرير إلّا أنه لم يكن أمامه خيار سوى خيار الاستمرار في المقاومة والكفاح من دون توقف، فيقول: (لقد اضطررت أكثر من مرّة إلى الابتعاد عن الجميع، لكي لا يروا دموعي وأنا أبكي حزناً وسخطاً على قدرنا اللعين الذي رمانا في بقعة جغرافية لا خيار لنا فيها سوى اختيار المشي بكرامة على حواف الموت، أو الغرق في الذل وعار السكوت أمام الظلم..ص٢١٠).

يعود الكاتب، وخلال الصفحات المائة الأخيرة من روايته، ليغوص بأسلوب عاطفي ووجداني مؤثر في أعماق الأحداث الدموية التي شهدتها سوريا عموماً وغرب كردستان بشكل خاص، ويسترسل في إلقاء الأضواء الكاشفة على مفاصل تلك الأحداث، ويقف باهتمام على التجربة الإدارية والعسكرية في شرق الفرات، وقضية احتلال كوباني واستبسال المقاتلين الكرد من أجل تحريرها، وموضوع الشهادة وظاهرة الهجرة والتعليم، ولا ينسى أن يعرج على انتفاضة (آذار ٢٠٠٤)، وحادثة سينما عامودا..إلخ.

وهنا لا بدّ من القول بأن الكاتب حليم يوسف يتمتع بمهارات إبداعية مثيرة للإعجاب والتقدير في مجال الكتابة والثقافة والأدب، وأن أسلوبه النقدي اللاذع للواقع إنما يعبر عن غيرته العميقة على مستقبل هذا الواقع، وينطلق من حرصه الشديد على تغييره نحو الأفضل ليعيش فيه المواطنون بحرية وكرامة، فيقول: (لقد كانت هناك قوة خفية تشدني إلى الكتابة، وخاصة في البدايات، كنت متوهماً وأحلم بتغيير العالم، والأشد من ذلك هو أنني كنت أتصور أن يكون لي دور في هذا التغيير!..ص٩٣). وبالرغم من معرفتي المسبقة بإمكاناته الإبداعية هذه، إلّا أنني تفاجأت بجمال هذه الرواية التي انتهيت من قراءتها في وقت قصير لأنها شدتني إلى أحداثها وحواراتها بقوة، وأذهلتني مهارات كاتبها الصديق حليم يوسف في نسج أحداثها وصياغة حواراتها بمهارة وإتقان، ونجاحه الفائق في توثيق الوجود الكردي في البلاد عبر توثيقه لسيرة حياته الشخصية التي تعد في الوقت نفسه نموذجاً لسيرة حياة الكرد السوريين وتكثيفاً لصورتهم القومية، وتلخيصاً موفقاً لمعاناتهم اليومية.

الخاتمة:

وبالرّغم من مرور ربع قرن من الزمن على مغادرة الكاتب حليم يوسف لوطنه، وإقامته في بلاد الغربة التي وفرت له ولغيره من اللاجئين الكرد السوريين الحرية والعيش الكريم، إلّا أنه مع ذلك لم يتوفق في الإندماج في مجتمعه الجديد، ولا يزال مسكوناً بهاجس العودة الذي بات يقلقه ويعكر عليه حياته الجديدة ويفقده فرصة الاستمتاع بالحياة الهانئة التي وفرتها له تلك البلاد بكرم وسخاء. وهكذا فقد أخفق الكاتب حليم يوسف في إغلاق الأبواب أمام أحلامه في العودة ذات يوم إلى مسقط رأسه، وباتت هواجسه تتحول يوماً بعد يوم إلى كوابيس تقض مضجعه وتعكر عليه صفو حياته الآمنة التي يعيشها في ألمانيا، فترك نهاية روايته مفتوحة على مصراعيها أمام صراع داخلي طاحن تدور رحاه بين إرادتين، إرادة الإندماج وإرادة العودة، اللتين تفصل بينهما حقول واسعة من الألغام والأسلاك الشائكة. وإلى أن يحسم هذا الصراع فإن عيني الكاتب تظلان معلقتين في الفراغ، ويقول: (وهكذا تظل عيناي معلقتين بين فضاءين متباعدين، في مكانين يبعد أحدهما عن الآخر آلاف الكيلومترات: مكان هناك، حيث الحياة فيه كانت منطقة محرمة، ومكان هنا حيث الحياة فيه متاحة، لكن هناك ألف سبب وسبب يمنعك الاستمتاع بها كما يجب..ص٣٦٥).

السليمانية: ١٤ تموز ٢٠٢٥

https://www.facebook.com/photo?fbid=1203148065158838&set=pcb.1203148098492168

فن البقاء على قيد الحياة: سيرة ذاتية في ظل القهر

ولاتيمه 19.07.2025

تنكزار ماريني

 يتكشف عنوان ”سيرة عابر ألغام“ من رواية حليم يوسف القوية مثل لوحة معقدة من المعاني والمشاعر التي تتجذر بعمق في سياقات شخصية وسياسية. يمكن تقسيم هذا العمل الأدبي إلى مفهومين مركزيين: ”السيرة الذاتية“ و”عابر الألغام“. ويدعو كلا الجانبين إلى تفسير متعدد الطبقات ويلقي الضوء على ازدواجية الحياة في ظل نظام القمع.

مستويات تحليل العنوان:

يستدعي عنوان “سيرة عابر ألغام” في ذهن القارئ صورة مكثفة للواقع الإنساني المعقد. فهو يجمع بين كلمتين تتسم كل منهما بدلالات غنية؛ السيرة تشير إلى الرواية الفردية، بينما العبور يعكس الجهد الحثيث لتجاوز العقبات. وفي هذا السياق، يصبح العنوان جسرًا يربط بين الثقافات، الهوويات، والتحديات النفسية التي يمر بها الأفراد في حياة محفوفة بالمخاطر.

التحليل الثقافي

مفهوم العبور

إن العابر، في جوهره، يمثل القدرة على التنقل والتكيف في بيئة يكتنفها عدم الاستقرار. هذه الفكرة تتجاوز مجرد التنقل الجغرافي، لتشمل رحلة داخلية أيضًا. ففي ظل العولمة وما يصاحبها من تغيرات سريعة في العادات والتقاليد، يبرز التحدي المتمثل في إيجاد مكان للفرد في مشهد ثقافي متغير. العابر هنا هو ذلك الذي يتنقل بين الثقافات المختلفة، باحثًا عن هويته ومكانه.

الألغام كرمز

أما الألغام، فهي تأخذ طابع الرمز في هذا السياق. تمثل تلك المخاطر التي تحيط بالفرد في حياته اليومية. تختلف الألغام من كونه ضغوطًا اجتماعية إلى قمع سياسي أو تحديات نفسية داخلية. فرد يعيش في مجتمع يتسم بالقهر يجد نفسه مستباحًا من الألغام المخبأة في التوجهات الثقافية والتوجهات الإنسانية. ولذا، في كل خطوة يخطوها، يشعر بأنه على حافة الفخاخ.

استعارة للإبداع: إذا اعتبرنا “اللغم” شيئًا إبداعيًا، فقد يشير أيضًا إلى فنان أو كاتب يتشكل عمله من خلال مصدر دائم للإلهام, البحث, المغامرة أو رغبة داخلية اخرى.

السياق السياسي والاجتماعي

ينقل العنوان أيضًا صورة واضحة للشخص الذي يسير في طرق خطرة, وعرية، مضطربًا بين الهويات التي تتبناها. هذه الصورة تعبّر عن واقع الأفراد في مناطق النزاع، وتجارب اللاجئين والنشطاء الذين يواجهون بقوة القهر. لذا، يمتزج النضال من أجل الحرية بالتعبير عن الذات في خضم ما يحيط بهم من ضغوط، مما يضاعف من تعقيد رحلتهم.

التحليل النفسي

الصراع الداخلي

أما على الصعيد النفسي، فنرى أن العابر هو ذلك الشخص الذي يسعى بتصميم لتجاوز الصدمات التي تعترض طريقه. في هذا السياق، يظهر القلق والتوتر كرفيقين دائمين، حيث تذكره الألغام المحيطة بمخاطر العالم؛ عالم يعج بالصدمات. ويُعبر ذلك عن الانقسام النفسي الذي يشعر به من يسعى للعبور إلى بر الأمان، بينما كل خطوة يمكن أن تكون مزعزعة.

التكيف والمرونة

لكن تجربة العبور ليست مجرد صراع، بل هي أيضًا شهادة على قدرة الإنسان على التكيف. يعكس العبور دعوة للمرونة، حيث يمارس الفرد أساليب مختلفة للتغلب على الألغام. يميل هؤلاء الذين يسعون للتجاوز إلى تحسين أساليبهم النفسية، ليتمكنوا من مواجهة تحديات الحياة بتحمل وأمل.

الهوية والانتماء

تجربة العبور تعزز مفهوم الهوية. يتشكل مفهوم الذات لدى الأفراد من خلال اختبارات الحياة، فيبدو أن الضغوط الثقافية تؤثر على تصورهم لأنفسهم وموضعهم في هذا العالم. هذا النضال من أجل الهوية يُعد ضرورة ملحة، وطريقًا لا مفر منه لتحقيق الذات، بغض النظر عن الظروف المحيطة.

1.التحليل الاجتماعي

أ. البعد الاجتماعي: عنوان “سيرة عابر ألغام” يحمل في طياته دلالات عميقة تعكس واقع الهوية الاجتماعية في عالم مليء بالصراعات. فالعابر هنا ليس مجرد فرد يتنقل في أزقة مظلمة، بل هو رمز لحالة إنسانية تعيش في ظل ضغوط الحرب والنزاع. في هذا العالم المليء بالعقبات والمخاطر، تصبح الألغام تجسيدًا للقيود المستترة، سواء كانت جسدية أو رمزية. إنها تذكير مستمر بالتهديدات التي ترفرف حولنا، كظلال قاتمة تخيم على الإنسانية.

ب. تجربة الهوية والانتماء: لقاء العابر مع الألغام يجسد الصراع العميق الذي يعانيه الأفراد في المجتمعات المضطربة، حيث يتمزق الشباب بين هويات متعددة تسحبهم في اتجاهات مختلفة. في هذا الإطار، يصبح العبور بين الألغام رمزًا للبحث عن الانتماء، فهو بحث لا ينتهي عن معنى الهوية في أوقات القمع. كل خطوة تحمل في طياتها مخاطر فقدان الذات أو اكتسابها، مما يجعل هذا العبور تجربة مليئة بالألم والأمل.

ج. السياق السياسي والاجتماعي: في خضم الاعتداءات والحروب، تتحول السيرة الشخصية إلى سرد جماعي يرتبط بمصير المجتمع بأسره. الألغام ليست سوى رموز للقيود المفروضة علينا، تعكس الآثار السلبية للصراعات السياسية والطائفية. يتعين على الأفراد التنقل بحذر في واقع متفجر، حيث يعبرون يوميًا عن حاجة ملحة للتغيير والمقاومة. إنهم الأبطال الخفيون الذين يقاومون دون أن يُعرف اسمهم، ولكنهم يُسجلون في ذاكرة المجتمعات كرمز للصمود.

  1. 2. التحليل الأدبي

أ. الجوانب الأدبية: ينبض عنوان “سيرة عابر ألغام” برمزية عميقة، تعكس بلاغة فكرية تتجاوز مجرد الكلمات. يجمع بين عنصرين أساسيين: السيرة الذاتية التي تأخذ القارئ في رحلة إنسانية عميقة، وعبور يلخص الفكرة الحركية للمقاومة والتكيف.

ب. السيرة: كلمة “سيرة” تشكل محور العنوان، حيث تُمثل عواطف وتجارب الأفراد الباحثين عن معنى في حياتهم. السيرة الذاتية تعكس تجاربهم الحقيقية، كقطرات مطر تُنسج داخل نسيج الحياة مليئًا بالتحديات، مما يعكس عمق الصدق والشفافية. هنا، يتمرد الفرد على النسيان، ويصر على سرد حكاية تتسم بالحيوية والحقيقة.

ج. العبور ومرونة المعاني: أما كلمة “عابر”، فتشير إلى الحركة، وإلى روح المقاومة التي تدفع الأفراد إلى مواصلة المسير رغم الصعوبات. يمثل العبور رمزاً للأمل في وجه الألغام، سواء كانت تحديات داخلية مثل الشك والخوف أو خارجية مثل الصراعات السياسية.

د. الأسلوب الفني: يمكن النظر إلى هذا العنوان كتجربة أدبية مبتكرة تغمر القارئ في عالم مليء بالمخاطر والتجارب الإنسانية. يستخدم السرد الرموز بشكل رائع لتفكيك المعاني بين الخيال والواقع، مما يعزز من جاذبية النص ويُعبر عن مضامين إنسانية عميقة. عند قراءة هذا العمل، نجد أنفسنا نغوص في أعماق النفس البشرية، محاربين مع العابرين، نشاركهم آلامهم وآمالهم، ونستنتج أن كل خطوة نحو الأمان تحتضن قصصًا من النضال والكرامة.

تتجلى التركيبة المتشابكة  في “سيرة عابر ألغام” بين التجارب الفردية والتحديات الاجتماعية. إنه نص أدبي يحمل أبعادًا إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، يتحدث عن الأمل في أفضل العوالم وأسوأها، ويظل العابر رمزًا للمثابرة والإرادة البشرية في وجه المصائب. هذه السيرة ليست مجرد رحلة شخصية، بل هي سفر جماعي يضع القارئ في قلب الحدث، محاكيًا مشاعر الألم والفخر، ممهدًا الطريق لفهم أعمق للتجربة الإنسانية.

الولوج الى النص:

السيرة الذاتية1

التعريف: السيرة الذاتية هي أكثر بكثير من مجرد قائمة زمنية لأحداث الحياة. فهي بمنزلة مرآة متعددة الطبقات تكشف حياة الفرد في بيئته الاجتماعية والزمنية. ومع كل جملة وكل سطر، تنقل تعقيدات التجربة الإنسانية وتفتح آفاقًا نظرية مختلفة.

 الهويّة السردية: السير الذاتية في جوهرها هُوِيَّة الراوي. فهي تنسج قصصًا عن تجارِب شخصية وصراعات داخلية، لتكشف عن وجهات نظر ذاتية حاسمة في كيفية تفسير الأفراد لتجاربهم ودمجها في حياتهم.

السياق الاجتماعي والسياسي: تقدم السير الذاتية أيضًا رؤى عميقة في الظروف الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقًا التي تميز حياة الأفراد. فالقمع السياسي والأعراف الاجتماعية تترك بصماتها على مسار الحياة ولها تأثير مباشر على الفرص والتحديات التي يواجهها أبطال الرواية.

 السرديات الثقافية: تلعب السياقات الثقافية أيضًا دورًا مهمًا. فهي تؤثر على كيفية تصوير الأحداث والهويات وتسمح للسير الذاتية بأن تكون وسيلة لمقاومة السرديات السائدة. فمن خلال سرد قصصهم الخاصة، يحتفلون بالهويات الثقافية ويحتفلون بما يبقى في كثير من الأحيان في ظلال النسيان.

التجسيد والعاطفة: تميز الخبرات الجسدية والعاطفية أسلوب السرد بشكل كبير. فالتجارب المؤلمة والأبعاد العاطفية تربط القارئ مباشرة بقصة الحياة وتمنحها صدى أعمق وأكثر قابلية للفهم.

البعد الأخلاقي: أخيرًا، تثير السير الذاتية أسئلة أساسية حول الحق في السرد. ويكتسب التمثيل الحقيقي للأصوات المهمشة أهمية خاصة هنا. فالسرد القصصي لا يمكن أن يكون شكلاً من أشكال التعبير عن الذات فحسب، بل يمكن أن يكون أيضًا فعل مقاومة وتحرر يهدف إلى خلق رؤية واعتراف في عالم لا مبالٍ في كثير من الأحيان.

التأويل

تتكشف سيرة حليم يوسف في خضم بيئة غير مستقرة ومليئة بالصراعات. فمن سنوات دراسته الأولى، حيث عليه أن يواجه تحديات التعليم المليء بالقمع، إلى الاكتشافات التي يقوم بها في المقاومة السياسية – كل مرحلة من مراحل حياته تتسم بالسعي وراء المعرفة والهوية. تصبح المدرسة مكانًا للتعلم، ليس فقط بالمعنى الأكاديمي، ولكن أيضًا كبوتقة للوعي السياسي، حيث يدرك أن التعليم يمكن أن يكون مفتاحًا للتحرر.

تجارب الحب والمغامرة: إلى جانب الصراعات السياسية والاجتماعية، تزدهر التجربة الإنسانية في حياة يوسف أيضًا. فقصص الحب والأمل والمغامرة التي يعيشها تشكل الأساس العاطفي لوجوده. هذه اللحظات الأكثر حميمية، حيث تزدهر المودة الإنسانية، تنشر النور حتى في أحلك الأوقات والظروف وتظهر أن السعي وراء السعادة رغم الظروف المعاكسة هو تجربة إنسانية عالمية.

النشاط السياسي: إن انخراط يوسف في حزب سياسي محظور هو تعبير عن معارضته للقمع – وهو فعل شجاع يتسم بالشجاعة. في الكتابات والنضالات التي تتخلل حياته، تتكشف العِلاقة بين الشجاعة الشخصية والمسؤولية الجماعية. فيصبح هو لسان حال مجتمعه، وتصبح سيرته الذاتية تأريخًا لنضال تتشابك فيه المصالح الفردية والجماعية وتعتمد على بعضها البعض.

القمع والهروب تخيم ظلال حزب باس بثقلها على قصة حياته. ويضفي التهديد المستمر الذي يشكله هذا القمع إلحاحًا ودراما على سعيه إلى الحرية. يصبح الانتقال إلى المنفى فعل فرار لا ينطوي على مخاطر جسدية فحسب، بل أيضًا على المصير المأساوي في كثير من الأحيان لكل من يضطر إلى مغادرة بلده من أجل البقاء على قيد الحياة. وهكذا، تصبح محنة يوسف رمزًا لعدد لا يحصى من الناس الذين يواجهون مرارًا وتكرارًا مقاومة في بحثهم عن الأمان والاعتراف.

عابر ألغام -2

التعريف: مصطلح ”كاسحة ألغام“ هو استعارة قوية تصف شخصاً يبحر في أرض محفوفة بالمخاطر ومليئة بالمتفجرات والمفاجآت الخطيرة. وترمز هذه الصورة إلى التحديات والمخاطر التي يواجهها الشخص في بيئة معادية.

:التأويل

 الإبحار عبر المخاطر: يجسّد يوسف، بصفته عابر ألغام، القدرة على الإبحار في بيئة تتسم بالقمع والعنف. كل خطوة يخطوها، سواء كانت في المدرسة، أو في مجال العلاقات الشخصية أو في الساحة السياسية، تجلب معها عواقب محتملة الانفجار. تعكس هذه الاستعارة التهديد المستمر الذي يتعرض له هو وعدد لا يحصى من الآخرين. يُظهر كل فصل من فصول حياته كيف يواجه هذه الأخطار بشجاعة ودهاء.

قرارات استراتيجية: لا تتطلب التضاريس المليئة بالألغام من يوسف أن يكون شجاعًا فحسب، بل أن يكون ذكيًا واستراتيجيًا أيضًا. وفي سياق قصته، يتعلم يوسف مدى أهمية تقييم المخاطر وإدراك اللحظة المناسبة لاتخاذ القرارات. وتصبح هذه المهارة مهارة البقاء على قيد الحياة التي تساعده على الإبحار في بيئة قمعية – وهو درس يجب أن يتكيف معه باستمرار للتغلب على التحديات المتغيرة.

 العقبات الثقافية واللغوية في المنفى: في المنفى، يتحول يوسف مرة أخرى إلى عامل منجم عليه أن يجد طريقه في بيئة جديدة غالبًا ما تكون معادية. وهنا يصبح حاجز اللغة هو اللغم التالي الذي يجب التحايل عليه. تجلب قسوة اكتساب موطئ قدم في ثقافة جديدة تحديات إضافية. فكل سوء فهم واختلاف ثقافي يتحول إلى حجر عثرة خطيرة محتملة تجعل التنقل في التفاعلات الاجتماعية أكثر صعوبة. وهكذا يصبح كفاح يوسف من أجل الاندماج كناية عن السعي ليس فقط للبقاء على قيد الحياة جسديًا في مواجهة المقاومة الخارجية، بل أيضًا لخلق هوية جديدة.

خلاصة القول

يتحول عنوان ”سيرة عابر ألغام“ إلى رمز قوي يعكس قصة حياة يوسف الفردية والمقاومة الجماعية لشعب. إنه يرتقي بتحديات العيش في ظل القمع السياسي إلى تجربة عالمية للسعي الإنساني من أجل الهوية والحرية.

 ومن خلال هذه الرؤية الشاملة، يتضح أن رحلة حليم يوسف ليست مجرد سيرة ذاتية شخصية، بل هي أيضًا قصة رمزية عميقة للبحث عن الاستقلالية والأمن في خضم المحن. وهكذا يصبح المسافر في المنجم مثالا نموذجيًا للصمود والشجاعة والإرادة التي لا تتوقف عن الكفاح من أجل ثقافة المرء وحريته. شهادة قوية تتجاوز التجارب الفردية وتتردد أصداؤها في قلوب القراء الذين لن يستسلموا حتى في مواجهة الشدائد.عابر

أمسية أدبية: حليم يوسف في مدينة درسدن بألمانيا

21.09.2024 – الساعة الثالثة عصرا – Volkshochschule: Annenstraße 10, 01067 Dresden ,4G

الجهة المنظمة للأمسية جمعية ايبلا للثقافة والتنمية

(IBLA.e.V)IBLA FÜR KULTUR UND ENTWICKLUNG IN DRESDEN

بالتعاون مع فولكسهوخ شوله في درسدن

جمعية ايبلا للثقافة و التنمية بالتعاون مع مدرسة

Volkshochschule Dresden

تدعوكم للحضور ندوة مع الكاتب القدير حليم يوسف ليكون معنا و يقرأ لنا من كتابه الجديد ” ٩٩ خرزة مبعثرة “.

متى يوم :٢١.٩.٢٠٢٤ الساعة الثالثة عصرا

اين : Volkshochschule Dresden e.V

Annenstraße 10, 01067 Dresden

ملاحظة : الدعوة مجانيه،الأماكن محدودة .

للحجز يمكنكم التواصل معنا عبر الأرقام التالية

الاستاذ وسيم فاعور : +49 176 57795623

الاستاذ عبد العزيز المحمود : +49 1521 4649325

الأستاذة ناهد حمدان : ‪+49 1575 0146181‬

الأستاذة تغريد العلاوي: +49 174 9008967

أمسية جميلة في مدينة غيسن بألمانيا: حديث حول “رواية 99 خرزة مبعثرة” في طبعتها الألمانية

21.06.2024 الساعة السابعة مساء ادارة الأمسية: زكي أوزمن وقراءة دروزيا تانرفردي

أمسية جميلة في مدينة غيسن بألمانيا

أمسيتي في غيسن حملت الرقم 15 بعد صدور الترجمة الألمانية لروايتي”تسع وتسعون خرزة مبعثرة” زرت خلالها اثنتي عشرة مدينة ألمانية، آخرها كانت غيسن. أدار الأمسية زكي أوزمن، وقرأت دروزيا تانرفردي صفحات من الرواية. كل الشكر لهما، للجهة المنظمة، ولكل من حضر

منظم الفعالية: جمعية الجالية الكردية في غيسن Kurdische Gemeinde deutschland

حديث حليم يوسف مع التلفزيون الألماني ز د ف

07.06.2024 ZDF Kultur

نود أن نلفت النظر من جديد إلى حديث حليم يوسف إلى قناة ز د ف الألمانية، والذي جرى في إطار مشاركته في فعاليات مهرجان الأدب الكردي الحديث في المنفى. حيث يتطرق في حديثه إلى قضايا المنفى واللغة والرقابة والحرية، والى كيفية تجسيد هذه المواضيع في الأدب. كما يتحدث في هذا التقرير العديد من الكاتبات والكتاب الكرد عن تجاربهم مع الصحافية ديلك أوشوك

سوجيت فرلاغ – دار نشر سوجيت، التي أصدرت رواية حليم يوسف بالألمانية Sujet Verlag

https://www.zdf.de/kultur/forum-am-freitag/forum-am-freitag-vom-7-juni-2024-100.html?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR3HCksZC7z6JPSeTVrNKhTdyjEjPTQybzTvRwxWarLrcM0_5TkFvrCfJNI_aem_ZmFrZWR1bW15MTZieXRlcw